محمد سعيد رمضان البوطي

330

فقه السيرة ( البوطي )

غدا ؟ ! . . واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، ولما قيل إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أقبل ، زاح عني الباطل وأجمعت أن أصدقه ، فجئته ، فلما سلمت عليه تبسم تبسّم المغضب ، ثم قال : « تعال » ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ » فقلت : بلى ، إني واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه أن يسخطك عليّ ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه ، إني لأرجو فيه عفو اللّه ، واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك ! . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك » ، فقمت ، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبونني - أي يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين - فقلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هما ؟ فقالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية ، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا ؛ لي فيهما أسوة . ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أي الثلاثة من بين من تخلّف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرفها فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه أسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني ، وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، يقول : من يدلني على كعب بن مالك ، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : « أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه في دار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك » ، فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها ، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر . . فلبثت بعد ذلك عشر ليالي حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كلامنا ، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه « قد